صحيفة موطن الأخبار

01-20-1439 08:24
6.63/10 (4 صوت)

القوت الثقافي و الفكري التعليم العام

زيارات 68

تشتهر عن أينشتاين صاحب النظرية النسبية ، قصة اثناء تدريسه الجامعي يجدر ذكرها .كعادة الطلبة ، وكجزأ من استعدادهم للامتحانات ، قام طلبة أينشتاين بالرجوع الى اختبارات السنوات السابقة ، لكي يطلعوا على نوعية الاختبارات آلت يمكن ان تأتي في الاختبار .
اثناء الامتحان ، تفأجأ الطلبة بتطابق أسئلة الاختبار بااسئلة العام الماضي . مسرورين بهذه الحقيقة ، أتموا الامتحان بااطمئنان .تفاجأ الطلبة بالنتيجة ، عندما اكتشفوا ان إجاباتهم المتطابقة مع اجوبة السنة الماضية كانت خطأ.!!!
عند الاستفسار من أينشتاين عن السبب ، أجابهم بالقول " صحيح انها نفس الأسئلة ، لكن الإجابة تختلف" .

أورد هذاه القصة لكي أوضح ، حقيقة تنص على ان بعض المشاكل تعود الى الظهور - حتى بعد حلها -بشكل مستمر ، وحلها ليس بالضرورة يكون كما تم حلها في السابق .
السبب ، ان بعض المسائل تحتاج في حلها الى أخذ السياق [دائم التغير] اَي المتغيرات في البيئة المحيطة ، بعين الاعتبار !،
هذا ينطبق على نظام التعليم !

ان الراصد للمتغيرات الاجتماعية ، الاقتصادية والتقنية يلاحظ تسارع وتيرة تلك المتغيرات والتي تخلق بيئات اجتماعية واقتصادية شديدة التعقيد ، وينتج عنها تحديات كبيرة للأفراد ، للاسر ، المجتمعات والدول.

في ظل هذه المستجدات ، يعد تطوير التعليم للتكيف مع تلك المتغيرات ، احد أكبر التحديات التي تواجه الحكومات حول العالم. ولهذا يحتاج نظام التعليم الوطني الى حلول مبتكرة .تناسب المتغيرات التي تحدث في القرن ٢١ .

ان معالجة قضية التعليم لدينا تشبه الى حد بعيد قصة أينشتاين التي ذكرناها في السابق . حيث دأبت الحكومة على رصد مليارات الريالات ، تغيير المناهج وووو ، . ولكن يبقى السؤال ، هل ماقامت به وزارة التعليم حتى الان هو الحل الأمثل والنموذجي لقضية التعليم .

تتعدد مناهج التطوير ، ان كان تطوير التعليم ، القطاع الصحي او اَي قطاع اخر ، وتختلف حسب القضية المطروحة ، ونحن ليس بصدد تعددادها بل الإشارة الى احد المناهج ذات الأهمية القصوى في اَي مبادرة تطوير وهو مقاربة يطلق عليها منهجية " التفكير باستخدام مفهوم النظام " ، والذي بعتمد على مفهوم "النظام" كإحدى الأدوات في مبادارات التطوير والتحول بشكل عام .

حسب نظرية النظم ، يتكون النظام من اربع مكونات رئيسية :مدخلات ، معالجة ، مخرجات و تغذية راجعة .

تصنف النظم الى نوعين , نظام مغلق و نظام مفتوح .
يختلف النظام المفتوح عن النظام المغلق بأنه يؤثر ويتأثر بالمحيط الذي يعمل فيه .

اذا ما طبقنا مقاربة التفكير باستخدام مفهوم النظام على
نظام التعليم ، فستكون الفوائد متعددة :

اولآ:سينطبق على التعليم خصائص النظام ،والتي من أهمها، المكونات : مدخلات ،معالجة ، مخرجات وتغذية راجعة .
ثانيآ : في حالة الحاجة الى تصميم او اعادة تصميم نظام التعليم ، ينطبق على تلك العملية ماينطبق على تعديل الأنظمة الاخرى وهي البداية من المخرجات ، والذي يعني تحديدها وتحديد خصائصها ، ومن ثم اجراء التغييرات الضرورية في بقية المكونات الآخري ، لتتكيف مع المخرجات.
ثالثآ : يصنف نظام التعليم على انه نظام مفتوح . هذا يعني أنه يؤثر ويتأثر في/من البيئة التي يعمل بها ، وهذا يعني ان نظام التعليم لكي يعمل بكفاءة وفعالية ، لا بد من أخذ المتغيرات في البيئة التي يعمل بها بعين الاعتبار في اَي عملية إصلاح او تغيير!
رابعآ : لا يمكن لأي نظام كان ، والتعليم من بينها ، ان يعمل بكفاءة وفعالية الا اذا عملت جميع مكونات النظام في تجانس و تناغم ، من دون تنافر . المدرسة والمجتمع ، ولي الامر والمدرس ، الاستاذ والطالب . المنهج وطرق تدريسه.

في حالة نظام التعليم ، لايمثل الطلبة انفسهم مخرجات النظام بل هي السمات ، المهارات التي اكتسبوها من العملية التعليمية .
عادة ما تهتم نظم التعليم بالسمات والخصائص الدينية
والتحصيل العلمي مع إعطاء جوانب مهمة مثل الجانب الفكري والثقافي أهمية منخفضة .
مع المتغيرات والمستجدات الاجتماعية ، الاقتصادية والتقنية أصبحت الجوانب الثقافية ، والفكرية ذات اهميه قصوى مما يتطلب من نظام تعليم ، مسؤؤل عن تعليم رجال وقادة المستقبل ان يأخذ تلك الجوانب على محمل الجد.

يعتني الجانب الثقافي والفكري ببناءوصناعةالشخصية .
تعرف الثقافة ، وببساطة شديدة بأنها القيم ، الاعتقادات والقناعات المتراكمة لدى أفراد مجتمع ما والتي تظهر على شكل سلوكيات في جميع مناحي الحياة .

هذا الجانب الثقافي ، لايمكن ان يعطى بشكل تلقيني ، ولن يتغير بين ليلة وضحاها بل هي عملية تراكمية ، تتضمن بيئة مدرسية ومجتمعية وسلوكية مع مناهج واساليب تعليم تحفز هذه القيم والقناعات في العقل .

من السمات الشخصية المرتبطة بالثقافة التي اجد من الأهمية غرسها في ذهن مخرجات التعليم :

الولاء للوطن [ الوطن فوق القبيلة ، الطائفة و المذهب ] ، الانضباط ، اخلاقيات العمل ، احترام قيم العمل ، قبول واحترام الآخرين ، روح المبادرة ، احترام القوانين ، احترام حقوق الآخرين ، ذو قيم واخلاق يطبقها على ارض الواقع في المدرسة ، البيت ، المسجد ، العمل والسوق .

ان السمات والصفات السابقة ليست مرتبطة فقط بالجانب التربوي بل بالجانب الثقافي للمجتمع .

نترك لمتخصصي إعداد المناهج الدراسية بمساعدة من علماء الاجتماع ، علماء التربية ، علماء النفس وعلماء الشريعة فرصة ان يدلو بدلوهم في موضوع : كيفية غرز الجوانب السلوكية الثقافية لدى الطلبة .

يتبادر الى الذهن سؤال ، كيف وجدت التربية البدنية لها مكان في مناهج جميع مدارس الكرة الارضيّة وجامعاتها وهي ليست جزأ من التحصيل العلمي ؟

الجواب ببساطة هو ان هذه الدول استجابت الى فكرة يعود تاريخها آلى حوالي ٢٥٠٠ سنة ، حينما اقترحها
الفيلسوف أفلاطون في كتابه الجمهورية ، وذلك ضمن سياق مدينته الفاضلة.

إذن ، اذا كانت العناية بالجسم واللياقة البدنية قد وجدت لها مكان في مناهج المدارس والجامعات ، الا يجدر بالعناية بالفكر والثقافة ان تأخذ لها حيّزآ ولو بسيطآ!

على هذا الأساس يحتاج نظامنا التعليمي الى الدفع في اتجاه اجراء عملية مراجعة للكيفية التي يؤدي فيها نظام التعليم الحالي الجوانب الفكرية والثقافية وذلك عن طريق :

•غرس حب الاطلاع والمعرفة .نصرخ وباعلى صوت اننا أمة اقرأ ، وعلى ارض الواقع تجد القليل من الأبناء والبنات من لدية حب القراءة !

•اعتماد النشاطات التي تبني الشخصية عبر تنمية المواهب وبناء وتطوير المهارات وتعزيز الهوايات . هل من ابناءنا من يتذكر الخط العربي ، القراءة المدرسية ،الشطرنج ، الشعر العربي القديم ، التعبير !!!

•تنمية القدرة على التفكير المنطقي ، والذي لا يرتبط فقط بمهارة حل المسائل الرياضية بل يرتبط بالتفكير بعمق ، بعيد عن العاطفة ، التفكير بعيد المدى ، التخطيط .

على مجتمعنا ان يدرك ان المدرسة ليست مثل مطعم او كافتيريا حيث يكون للزبون - الأب والأبناء - الحق في وضع شروطهم على صاحب المطعم ، بل هي مصنع لصناعة الأجيال ، قادة المستقبل ،، بل هي منارة للعلم وهي من تضع القوانين وتطبقها بحزم.

ان العلاقة بين المدرسة والمجتمع ، والتي على رأسها تأتي العلاقة بين المعلم والمتعلم من العناصر الاساسية لأي نظام تعليمي .
يعبر الفرآن الكريم عن تللك العلاقة اصدق تعبير في سورة الكهف ، في قصة موسى والعبد الصالح. ، اَي الطالب والمعلم . تأمل معي اخي /اختي ، ماذا قال المعلم للتلميذ ، قال تعالى " قال انك لن تستطيع معي صبرآ " ، وقال الطالب للمعلم ، قال تعالى ، " قال ستجدني إن شاء الله صابرآ ولا أعصي لك امرآ" .
توضح هذه الآية شكل العلاقة النموذجية بين المتعلم والمعلم والتي تمثل الأساس الناجح لأي نظام تعليمي .
ان التعليم لن يكون ناجحآ ان لم بكن الحزم مظلة في طريقة التعاطي مع الطلبة والطالبات ،
بالمقابل ، يجب على أولياء الأمور ان يضعوا هذه الآية نبراسآ لهم في طريقة تعاملهم مع الإدارات المدرسية والمعلمين ، وهي "الصبر" ،

عندما قامت وزارة التعليم بإلغاء لفظ "التربية" من مسماها ، فهي حرة ، لكن هذا لايعني إلغاء التهذيب وغرز ألقيم الاخلاقية و الثقافة الرصينة ضمن التعليم . لانه يبقى عنصر من عناصر اَي نظام تعليمي ، كما هو احد مسؤليات المعلمين الذين يحترمون أنفسهم .

بين وقت وآخر يدور في المجتمع حديث او فكرة إلغاء الكتب الورقية واستبدالها بالمحتوى الرقمي ، وكأن هذا الموضوع جوهري اًو ذو اولوية في العملية التعليمية .
منذ حوالي عقد من الزمن ظهر حديث واسع عبر وسائل الاعلام العالمية والمحلية عن ان التحول من الكتاب الورقي الى الرقمي سيكون ظاهرة عالمية ستحيل الكتب الورقية الى المتحف ، وسينتهي زمنه !
لكن دراسات تؤكد ان هذا لن يحدث لان القرّاء يفضلون الكتاب الوًرقي على الرقمي !

ويبقى سؤال :
هل ماقامت به وزارة التعليم حتى الان هو الحل الأمثل والنموذجي لقضية التعليم.؟
هل المقاربة التي اتخذتها ، مقاربة كلية المنظور ، اَي باعتبار التعليم نظام ، او مقاربة تجزيئية ، قَص ولزق !

لقد حان الوقت لبناء جيل جديد عن طريق اعادة بناء الجوانب الفكرية والثقافية ، الى جانب التحصيل العلمي .

ان ثقافة تتصف ب : عدم الانضباط + عدم احترام قيم العمل + ثقافة المحسوبية + عدم احترام النظام والقوانين
+ عدم احترام الآخرين = وصفة لثقافة بائسة .

لن ننجح كمجتمع ووطن الا بنظام تعليم حديث ، ولن ينجح نظام تعليم الا بثقافة قوية وليست هشة وبائسة .!

لن ننهض من دون تعليم راقي يأخذ في عين الاعتبار اعادة بناء الثقافة .!!

لن تنجح اَي مبادرة تحول وطني ، مهما كان اسمها من دون تحول مواز ، ثقافي وفكري!!!


خدمات المحتوى


خالد عيسى المحيفيظ