صحيفة موطن الأخبار

02-19-1439 21:12
5.00/10 (1 صوت)

كنتُ لها عوضاً

زيارات 143

في الخمسينات من القرن الماضي كان هناك صبي *ذو ٦ سنوات *اسمه سلمان ، يمشي حافي القديمين، بجيوب مثقوبه ، يتيم الاب ، اما امه اختارت الهجره لحياة اخرى مع زوج اخر بعيدة عنه .
بالصّبرِ كان يعد النجوم ليقيم سقف ليله ، متناسياً وحدته *.*
كان لايملك في حياته سوى " ام عوض" تلك الجارة التي مات زوجها وبعده فترة بسيطه لحقه ابنها عوض ذو ٤ سنوات بسبب الحصبه ،*
ف في كل المرات التي كانت تقابله الحياه بمواقفها الموحشة وجهآ لوجه كان يختبئ في ظهرها ويطل *بكل قوته ” أنا معي ام عوض "*
كانت ام عوض تعطف عليه بقطعة خبز وحضن دافئ ، وعندما يسند رأسه على حجرها يسألها كثيراً عن ملامح ابيه ! تجيبه : انك تحمل اسمه وسواد شعره وحدة انفه اولون بشرته القمحي .

كانو أبناء الحاره يصنعون من حطامه" قلعة " صغيرة وهذا ماجعل بقاء الرغبة داخله مستمرة في ردم تلك القلاع *كل يوم *ليبنيها بنفسه *ويصل الى قمتها وحده .*
ظلّت تلك الرّغبةُ *تحلق مخيلته عالياً كالنّسور.
مرت السنوات حتى بلغ سلمان *١٣ عاماً ..*
وبينما كان في سطح ام عِوَض ينشر لها الغسيل*
جاءت تلك السيارة الكبيرة *التي تجتذب الايدي العامله ، لم تكن الصوره واضحه حينها ، فلم *يكن يبدو عليه الطول الذي يسمح له برؤية الحدث كاملاً من اعلى السطح وهنا وجد السلم الذي من خلاله صعد عليه دون حذاء مما أدى الى انغماس مسمار كبير في أسفل قدمه .. الطريف في الموقف انه لم يشعر بالم ، ترك الغسيل وهرول حافياً بقدمه التي تنزف وتابع طريقه ليدهس الزجاج المكسور المتناثر ، حتى تبللت خطواته بالدم .*
استنكره الموظف صاحب السيارة لصغر حجمه ، لكنه اصر حتى بدا يخرج الدم من قدميه بشكل ملحوظ مما أدى الى فقدان وعيه ،*
لحظات حتى استعاد توازنه يجد ام عِوَض على راسه تبكي بصمت ، ليقوم مرعوباً باحثاً عن السيارة ..*
أخبرته ام عِوَض بان عمره *لايسمح للعمل *، لكن اصراره جعله ينهض مسرعا الى الخارج ليجد السيارة قد همت بمغادرة *المكان ..
اصبح يركض بكل قوه متناسياً جروح قدمه حتى استطاع ان يتشبث بالسيارات*
لمحه الموظف ، حاول إنزاله لكنه كان ملتصقاً بكل ما اوتي من قوة .
ساله الموظف : كم عمرك*
ليجيبه : ١٤ سنه .
ضحك الموظف وقال : اجزم انك لم تبلغ ال ١١ حتى*
هل تعلم ماهو العمل الذي ستقوم به ؟*
سلمان : اعلم انه سيكون لدي مال أطعم به امي ام عِوَض لحماً ، لأنها اخبرتني ذات يوم انها تحلم بان تشم رائحة اللحم.
وايضاً *سأشتري لها حذاء. وملابس جديده للعيد .*
مسح الموظف على راسه متأملا ملامح وجه المتسخة واقدامه المجروحة ، ثم قال *: حسنا أيها الرجل ستكون هذه الرحله بداية لنهاية كل ماعانيته ، ... *أعدك بذلك .*

*بعد ساعات وصلو الى مقر العمل وهي مدينه في شرق المملكة *تدعى *" الظهران " هناك كانت الشركة الضخمه التي سيتدربون فيها.*
في بداية الامر بدأ الذهول في وجوه الإعداد الكبيرة*من أبناء المزارعين الغير المتعلمين،*من هول المكان الممتلئ بالمصانع والرجال ذو البشره الحمراء *..*
*قامت الشركة بتعليمهم ابتداءً من الصفر*
وتزويدهم بملابس العمل والغذاء وتوفير وسائط النقل ومنحهم درجات تأهيلية أعلى كلما اجتازو مرحله تدريب ..*
مرت الأشهر سريعاً *..*
حتى جاءت اللحظه التي رشح فيها سلمان الابتعاث*إلى الخارج *وذلك لفطنته وذكائه ،اصبح لسلمان هناك اصدقاء انسو غربته ، كانو يضحكون *على درجة متساويه ، ويلتزمون *بنفس القوانين ..وبعد قرابة السنه عادو ليتبوؤ أماكن قيادية في تلك الشركة الضخمه.
*التي لم تقتصر على أعمالها في استخراج النفط وتصديره إلى دول العالم، بل اعتنت بهم من جميع النواحي، سواء كانت التعليمية و الصحية*.
تعلم هناك سلمان الكثير من الأشياء التي قد لا تعرفها أبناء *قريته الصغيرة مثل ألعاب البيسبول والسباحة وركوب الخيل وثقافات ومبادئ عده كاحترام الوقت وقيمة الحياة و ان العمل واجب اخلاقي على الإنسان ، تلك الشركة كانت بالنسبة له وطن صغير يعيش في احضان العالم الكبير الذي تركة وحيداً*

سلمان :*
عدت الى الديار بعد ان بلغت السادسة عشر من عّمري .. *
امي ام عوض .. هي وطني وملاذي الوحيد هرولت اليها متأسفا على تأخيري ، ام عوض التي لم تمتلك عوضا في الدنيا سوى وجودي ،اشتريت لها حذاء جميل وشال افتنيته عندما كنت اكمل دراستي في الخارج والكثير من الهدايا التي قد لا تعرف من مسمياتها ، سوى قطعة اللحم التي وعدتها ان اجلبها لها .*ام عوض ،اصبحت هزيله ، طريحة *الفراش *دون حولا لها ولا قوة ،*

سلمان : امي ها أنا أرمم حائطنا الذي أوجعتهُ المعاوِل... انني اجزم بان عدد المرات التي إبتسمت لي الدنيا فيها كان سببها رضاك عني ودعواتك الطاهره
فتتُ حزنها بضحكه تملاء عينيها بالدموع وأطعمتها بيدي لحماً طريا لطالما حلمت برائحته *.
حملتها بين يدي الى المستشفى ..*
لقد كانت مريضه بالفشل الكلوي الذي تم اكتشافه متاخرا ، اصبحت اجلبها الى مواعيد الغسيل *بانتظام في المستشفى الخاص بالشركة ، حتى رفعت تقاريها لمعالجتها بالخارج على حساب الشركة ، وبالفعل تمكنت من ذلك.
وبجوارها على مقعد الطائرة أخبرتها : كثيرة هي المواقف التي أردت قولها لك يا امي،وكلما بدأت بالبحث عن صوتي شعرت بالمشقة وتسائلت عن جدوى ذلك أو معناه أو أهمية قوله دون وجودك بجانبي *. فبعد ‏انتهائي من كل اختبار اخوضه واحصل على الدرجه الكامله *أردت قول مشاعري حيال تلك الأيام السعيدة والعدد الكبير من الانجازات التي حققتها ، لكني ‏وجدت نفسي في صمت .
ام عوض تمسك بيده وتخبره :*كم كنت سعيده وفخوره بك فعندما اسمع اخبارك من الصبيه الذين عادو للديار بسبب إخفاقهم بالاستمرار هناك ، كنت أتأمل وجوههم واخشى ان تعود معهم صفر اليدين مثلهم**!!*
صدقني يابني ، طوال تلك السنوات التي غبت فيها كل مره أتأكد انك أقوى من عجزهم حتى بدأت اكف عن مزاوله ذلك الطريق الاتفقد عودتك ، أظن أن جزء مني قد أصيب بالملل، الملل ههه

توفيت ام عوض بعد بلوغي ال ٢٥ عاماً بسبب توقف الكلى عن العمل .. في الحقيقه شعرت بفقدانها انني يتيم للمره الثانيه فهي لم تكن يوما شيء عادياً ، ف في كل المرات التي حالفتني النجاحات أتحاشى الدنيا وأهلها وأرى إنعكاس فرحتها بعينيها .. فهي الاولى من كل شيء ، امي وابي وعائلتي *وصداقتي الأزلية.*


أفراح الكالوف


خدمات المحتوى


التعليقات
[ريم]
02-20-1439 01:54
0.00/5 (0 صوت)
القصه رائعه ومحفزه فعلاً لا شيء مستحيل تحت النجوم

[ريم]

[ريم]
02-20-1439 01:54
0.00/5 (0 صوت)
القصه رائعه ومحفزه فعلاً لا شيء مستحيل تحت النجوم

[ريم]

أفراح الكالوف
أفراح الكالوف