صحيفة موطن الأخبار
اليوم الوطني 88

01-26-1440 23:06
10.00/10 (1 صوت)

مرت عدة سنوات منذ أن تخرجت من المرحلة الثانوية ،ومع ذلك لازلت احتفظ بدفتر قديم يضم مواد اللغة العربية والتي كانت في ذلك الوقت تتفروع منها مواد : (النحو والصرف ، والأدب والنصوص، والإنشاء، والبلاغة والنقد ) والتي يسند تدريسها غالباً لمعلمة واحده ،أو أكثر حسب عدد الفصول في كل مدرسة وبين الحين والحين كنت اخرجه من صندوق خصصته له لأطمئن عليه ، وامسح الغبار المتراكم عنه ، وأعيد ترميم ما تلف منه .
ومع مرور السنوات ثقلت وطأة الزمن عليه فبدأت تتمزق بعض أوراقة ، ويبهت لون الحبر على أسطره ، ويسقط غلافه الزاهي من عليه .
مع أني كنت طول تلك السنوات مهتمه به ، شديدة الحريص عليه ، لذا وضعته في صندوق يضم مجموعة من أشيائي القديمة كا شهادات الشكر ،بعض الهدايا التي كانت تمثل لي شيئاً ثمينا في ذلك الوقت ، وغير ذلك من أشياء احتفظت بها أثناء دراستي في مراحل التعليم العام.
كنتُ أخشى عليه من الضياع خاصة إذا ماقررنا الانتقال من منزل لمنزل آخر ، لذا كنت أضعه في أعلى خزانة ملابسي حتى لا تمتد إليه يد طفل شقي ، أو يأخذ طريقة لسلة المهملات على يد الخادمة .
لا أدري بالضبط كم عمر هذا الدفتر الكهل !
ولكني أعلم أني في كل مرة اتصفحه تخرج لي من بين صفحاته أستاذة فريدة ، كانت كلماتها تحرك شغفنا للمستقبل ، تجعلنا نلمس النجوم بيد ، ونرتقي السماء بلا منظاد .
تفتح لنا في حصص الأدب ، حصون من الثقافة يستحيل اقتحامها ، تنقلنا من بين العصور عبر دهاليز عميقة ، معتمة ، مضيئة ، حزينة ، مبتسمة ، وكأن في يدينا عدسة مكبرة نرأى من خلالها واقع كان بعيد ، وماضي قد عاد .
استطاعت أن تجعل كلمات أحمد شوقي في نص عمر المختارفي الصف الثالث ثانوي في مادة الأدب والنصوص تهُزنا بقوة كلماتها عندما قال :
كزوا رفاتك في الرمال لــواء
يستنهض الوادي صــباح مساء
كان لسان حالنا حينها يقول :
نحن من استنهضته تلك الكلمات وليس شعب ليبا .
وعندما كانت تشرح نص (سرنديب ) للباردوي وهو يقول :
كفى بمقامي في ســــرنديب غربة نزعت بها عنـــي ثياب العلائـــقِ*
كان لسان حالنا ونحن نشاركه تلك المشاعر المثخنة بالألم ، والمجروحة بالنفي ،لا ، لا يكفي .
وفي حصص النحو كانت لها مدخلاً سرياً كما في الحكايات لكل عقل داخل الفصل ، استطاعت من خلاله أن تهزم رهبة المادة داخل نفوسنا ، وتنتشل أي حاجز كان يقف حائلا بينا وبين تلك المادة المتغطرسة .
لم تكن استاذة شعاع المجيبل معلمة اللغة العربية في الثانوية الثالثة بالمبرز التي درست فيها المرحلة الثانوية معلمة عادية ، وهي تُهدينا كنوز الأدب ، وتسمعنا صوت جدل علماء النحو في البصرة ، وثرثرة الشعراء على خرير ضفاف نيل مصر .
كانت عظيمة بتضحياتها ، وتفانيها ، إخلاصها ، اهتمامها ، حرصها ، اجتهادها ،
اليوم وقد كبرت ،وتعلمت أن الأشياء الثمينة التي يحوزها الإنسان ليست بالضرورة أن تكون ذات قيمة مادية ثمينة .ولكنها الأشياء التي نستشعرها في أعماقنا ، مهما كانت بساطتها وقيمتها كذلك الدفتر الكهل الذي احتفظت فيه طول تلك السنوات لأنه من معلمة فريدة نادر تكررها .
لم تكن معلمتي عادية وهي تمحنا الحب ، وتُسمعنا صوت المستقبل ، وتجعلنا نجتمع حول الوطن .
أستاذتي لا تزال ذاكرتي تحتفظ لك بالكثير يوم كنا نبحث عن كلمة ترشدنا ، و قلباً يحمينا ، ويداً تشد على أيدينا .
أستاذتي تعلمنا منك أن القيادة ليست على كرسي فخمة ، ولا خلف مكتب فارهة ، ولا في تعليمات تزدحم بها أبردة المدارس .
كانت قيادة فكر ، ومنطق عقل ، وقوة علم ،وسلطة القيم ، ونموذج يحتذى ، وتضحية بعيدة المدى .
شكراً أستاذة شعاع المجيبل .










خدمات المحتوى


أمل الحربي
أمل الحربي