صحيفة موطن الأخبار

08-14-1432 04:54
1.00/10 (1 صوت)

ليلة النصف وبناء الحضارة

زيارات 607

لقد خصّ الله هذه الأمة من بين أمم الأرض بالعناية الفائقة بالظاهر والباطن في آن واحد، بل إن العناية بالباطن وإصلاح القلب والنفس هي الأساس في السعادة والراحة والطمأنينة في الدنيا والفوز في الآخرة.

لاشك أن الأمة تتجنب الخصومات بين أفرادها ومجتمعاتها لأنه سبب لقوتها، لكنها لا يمكن أن تصل إلى بواطن أفرادها وتأمرهم بتقنية القلوب والنفوس من الشحناء والعجب والكبر والحسد واحتقار الآخرين، والذي هو السبب الرئيس لتماسك هذه الأمم.
ولأن العناية ببواطن الأفراد وسرائرهم لا يمكن أن يناله القانون الوضعي، بخلاف من يعيش مع الأمر الرباني، فإن القضاء على الخصومات ظاهريا يجعل التماسك مؤقتا ومبنيا على سلطة القانون وقد يكون بعيدا عن القناعات الداخلية التي هي جوهر أي تآلف «لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألّفت بين قلوبهم ولكن الله ألّف بينهم إنه عزيز حكيم». كما سمعنا عن دول متماسكة وتسمى عظمى لكنها تفككت سريعا، وعن أخرى لا تزال تعيش جو التمييز العنصري حتى لو صرحت بخلاف ذلك، ودول تعيش صراعات تظهر على السطح بين حين وآخر، ذلك لأن الحضارات لايمكن أن تبنى على شحناء، كما أن التربية الصحيحة والاقتصاد السليم، والمجتمع المتماسك لا يمكن أن يكون له دوام وتقدم وتطور في ظل الشحناء (فنحن لم نسمع أن حضارة قوية متينة العرى بنيت على أحقاد وشحناء فيعيش المرء بين من يكيد له في كل شؤونه) فيتجه للعنصرية والحمية الجاهلية فيكون حاله (كالمستجير من الرمضاء بالنار) أو كالعطشان الذي يريد صرف عطشه بماء البحر!

إن القضاء على الخصومات ظاهريا يجعل التماسك مؤقتا ومبنيا على سلطة القانون وقد يكون بعيدا عن القناعات الداخلية التي هي جوهر أي تآلف

لذا فإننا لا نعجب عندما نسمع كلام معلم البشرية الخير الذي لا ينطق عن الهوى يرشدنا إلى عدم نسيان الظاهر والباطن سويا من الخصومات أولا ثم يتبعها إزالة الشحناء ثانيا احتسابا وتقربا إلى الله دون انتظار لثناء أو مصلحة دنيوية وذلك في الأسبوع مرتين عندما ذكر أن الله يطلع على إعماء العباد كل اثنين وخميس فيغفر لهم إلا المتخاصمين، يقول: «انظر هذين حتى يصطلحا» ومرة في السنة على الأقل بجرد الإنسان في سلوكه الباطن كما يجرد التاجر تجارته فيزيل الشحناء من قلبه ويجاهد نفسه متذكرا أنه «مازاد الله عبدا يعفو إلا عزّا» وذلك من خلال ما يحصل عليه من المغفرة العظيمة جراء ذلك لقوله – صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه – «يطلع الله تبارك وتعالى إلى خلقه ليلة النصف من شعبان يغفر لجميع خلقه إلا المشكر أو شاحن» الصحيح 3/1335 وإذا وجد العبد طعم العفو والصفح فإنه ربما يرتقي إلى درجة الخلص من الناس فيكون حاله كمن قال فيهم ربهم ومولاهم في معرض الثناء: (ويدرؤون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار) جعلنا الله منهم بمنه وكرمه إنه جواد كريم.


خدمات المحتوى


عادل إبراهيم المحيسن
عادل إبراهيم المحيسن